عبد الوهاب الشعراني

46

تنبيه المغترين

الوفاة بكى ، فقالوا : ما يبكيك ؟ فقال : بعد السفر ، وقلة الزاد ، وضعف اليقين ، وخوف الوقوع من الصراط في النار انتهى . فتأمل يا أخي نفسك فإنك محتضر على الدوام ليس في يدك نفس واحد يطلع ينزل وأكثر من الاستغفار آناء الليل وأطراف النهار فإنك على شفا جرف هار واللّه يتولى هداك ، وهو يتولى الصالحين ، والحمد للّه رب العالمين وعليه الاعتماد . كثرة الاعتبار ( ومن أخلاقهم رضي اللّه تعالى عنهم ) : كثرة الاعتبار والبكاء والاهتمام بأمر الموت إذا رأوا جنازة ، وقد كان أبو هريرة رضي اللّه عنه إذا رأى أحدا يحمل جنازة يقول لها : امض إلى ربك فإنا على أثرك ماضون ، وكان مكحول الدمشقي يقول إذا رأى جنازة : اغدوا فإنا رائحون موعظة بليغة قليلة وغفلة شنيعة يذهب الأول والآخر لم يعتبر ، وكان يظل كأنه لا عقل له مدة أيام ، وكان أسيد بن حضير يقول : ما حدثتني نفسي قط عند رؤية الجنازة إلا بما الميت صائر إليه ، وربما ترك الأكل والشرب أياما وخرج مرة في جنازة فلما أدخلوا الميت القبر غشي عليه فما رجعوا به إلى بيته إلا في النعش . وخرج مالك بن دينار في جنازة أخ له فبكى وقال : واللّه لا تقر عيني حتى أعلم ما صار إليه أخي ، وكان الأعمش يقول : كنا نشهد الجنائز ولا نعرف من يعزي لأن الحزن قد عم الناس كلهم ، وكان ثابت البناني يقول : كنا نشهد الجنائز فلا نرى إلا متلفعا باكيا ، ومر إبراهيم الزيات على جماعة يترحمون على ميت فقال لهم : خافوا على أنفسكم خير لكم ، فإن ميتكم قد جاوز ثلاثا : رؤية ملك الموت ، وذوق مرارة الموت ، وأمن من سوء الخاتمة . وحضر عمر بن ذر جنازة رجل كان مسرفا على نفسه وتحاشى الناس أن يحضروا جنازته من شدة إسرافه ، فلما دلوه في القبر قال له عمرو رحمك اللّه يا فلان محيت التوحيد وعفرت وجهك بالتراب وإن كانوا قالوا عليك إنك مذنب كثير الخطايا ، فمن هو منا لم يذنب ولم يخطئ فبكى من كان حامل النعش . فاعلم يا أخي ذلك واعتبر كما اعتبر هؤلاء وأكثر من البكاء والنحيب فإن بين يديك من الأهوال ما لا يوصف ، والحمد للّه رب العالمين .